سبتمبر 26th, 2006
كتبها أسمــاء حرمـة الله
نشر في , قصة,
,
كانت الشمس قد استفاقتْ من نومها، وغسلتْ وجهها بندى الفجر، وأخذتْ من زرقة السماء الجميلة طعامَ إفطارها، كان شرابا من نسيمٍ زنبقي وعبير ورد تسلل إلى الشمس العطشى للرحيق..
أماّ البحرُ فكان مترقرقا كعادته، قد صحا من نومه هو أيضا وتناول من يدي الشمس باقةً من الضوء والماء، حتّى الرّمل أيضا كان مبلّلا ببوح البحــر، نزعتُ حذائي وقد أغرتني هذه اللوحاتُ الجميلة بالجلوس قليلا بين جوانح الموج علّي أظفر بحديث سرّي لا يهبُه البحر لِأَحد.
أغلقتُ عينيّ، واستسلمتُ بدوري لنسيمٍ دغدغ أجفاني وهدهد لواعجي وسرق قلبي مني ليطير نشوانا مع سرب النورس.
غفوتُ قليلا، يتهدّج بي الصمتُ الجميل تارةً، وتبعثني موسيقى الموج تارةً أخرى، تزرعني بحقول الحلم، وفجأة لمحتُ وردةً ملقاةً على الشاطئ، وردةً مبتلّةً يهزّها الموج، ثم يذرها، تحفر على ذاكرة الصمت بعضاً منها، فكرتُ كثيرا قبل أن أقترب منها وأحملها بين يديّ، نظرتُ إليها وقد لفّني صمتٌ رهيب، أحسستُ وأنا أحدق فيها بأن ثمة سرا يسكنها، أحسستُ بشرارة حزن تنتابني، خفق قلبي حين نطق صمتُها أخيرا… أخرجتْ من الصدف منديلا صغيرا جدا كفكفتْ به قطرات الماء التي كانت تدثـرها، رمقتني بنظرة غارتْ بها كل الأسرار، أطرقتْ هنيهة ثمّ رفعت رأسها وهمستْ في أذنيّ : "كنتُ أنتظـــــرك"..
أدخلتني الحيرة والصمتُ في سراديب لا تنتهي….واصلتْ حديثها قائلةً:
"لا تستغربي، إني أتيتُ من زمن الرحيـل، لم أعرف بأني أُشرفُ على السّبعين إلاّ الآن، وقد أنهكتني جراحي، وأصبح قلبي المُعنّـى عشًّا أبديا لأسراب السنونو، بل لكل الطيور المهاجرة…
قد كنتُ أميرةًَ على الأفراح كلها، أتنقل بين البسمة والخفقــة، أهدي هذا الطفلَ زهرةً، وهذا القمر الجريح عطر
المزيد
سبتمبر 2nd, 2006
كتبها أسمــاء حرمـة الله
نشر في , قصة,
,
دخلتُ حجرةَ نومي، لاأدري لماذا خيّمَ الصمتُ على بوحِ أشيائـها؟ لماذا هطلتْ فجأةً كل الحكايا من لوحاتها المعلّقـة بالجدار؟؟ لماذا صمتت يمامتي البيضاءُ عنْ مداعبةِ أحلامنا وذكرياتنا، واعتزلتْ قصائدَنـا بالشرفـة؟؟ لماذا بدأَ تغريدٌ غريبُ اللحنِ،منكسِرُ الإيقاع؟؟ لماذا نعِسَتْ على مكتبي وردةُ البنفسـج وقَلَّدَتْـها زهرةُالياسمين؟؟ لماذا صارتْ مزهريتي التي أهدتْها لي زوجةُ أخي، تهجرُ ألوانَ نيسـان؟؟لماذا باتتْ تخاصمُ ما تقاطرَ عليها من ألوان الورود التعِبـة، زرافاتٍووُحدانا؟؟
جلستُ أحدّقُ طويلاً في لونٍ شاحبٍ حاصرَ أركانَ حجرتي، وخلفَ النافذة تتغزّلُ الأمطارُ بذكرياتٍ تساقطـتْ بِتساقـطِها، لم يوقِظني من صمتي المضرّجِ بحيرتي، وبألمٍ مُبهَمٍ لم أُلفِ له تفسيراً، إلاّ صوتُ والدي يطلبُ منّي الإسراع بارتداء ملابسي، كيْ لا نتأخر على زيارتنا، زيارةٍ ذاتِ نكهة خاصة هذااليوم.
حدّقتُ طويلاً في خزانة ملابسي، وكأنني كنتُ غائبةً عن الوعي، لمْ تبدُلي ألوان فساتيني
المزيد
أغسطس 30th, 2006
كتبها أسمــاء حرمـة الله
نشر في , قصة,
,
دخلَتِ الحفل
كان الحاضرونَ يرتشفون من كؤوس الفرحة ويضحكون، حتى أن موسمَ الربيع الأخضر كان هو الآخر حاضرا بينهم..
دخلتْ لبنى الحفل وقد تأبطت صمتها وجرحها وزماناً فقدَ ملامحه، وربما تأبطت أيضا لونَ الغياب، كانت حائرةً ماذا ترتدي لهذا الحفل المميّز، بحثتْ في خزانة ملابسها عن ثوبٍ بلون الربيع أو بلونِ البحر الذي طالما عشقَته، أعجبها ثوبٌ لازوردي، لكنها سرعان مابدّلت رأيها واختارت آخر موشّىً بزهرِالليلَك، ثم بحثت مرة أخرى عن آخر يشبه تقاسيم زمانها حتى وجدت ثوبا بنيا مخططّا، فارتسمت على شفتيها ابتسامة حبلى، وعقدت العزم على ارتدائه.
وماإن همّت بذلك حتى لاحت منها التفاتة إلى فستان أسود اللون، منزوٍ بركن الخزانة، فوقفت تتأمله لحظاتٍ لتهمسَ له سرّاً ، كانت تظن أنها الوحيدة التي تحدّثُه حتى اكتشفت بأن ثمة من يسمع حديثهما، إنها دمعة حرّى انزلقت ثم تلَتها أخرى ثم أخرى ثم أخرى..ثم انزلقَ الصمتُ الجريحُ من مآقيها ليصيرَ رابعهم..
بقيت تحدق بالفستان لحظاتٍ ربما كانت أطول من لحظات عمرها، وقبل أن تقترب منه لتجسّ عمره هو الآخر، قاطعَتها رسالة صوتية وصلتها عبر هاتفها الخاص، فنظرتْ إلى هاتفها برهةً ثمّ أشاحت بوجهها عنه… هذا كل ماتذكره قبل أن يحضرها القدَرُ إلى هنا..أطرقتْ وعادت من أرضِ ذاكرتها إلى أرض الحفل، تحدّقُ بالحاضرين وقد تعثّرت نظراتُها بالأضواء المترامية هنا وهناك، وتعثّرت خطواتها بالضحكات التي كان ينثرها المدعوون يمنة ويسرة، حتى وقع نظرها على مكانٍ شاحبٍ انزوى هو الآخر بعيدا عن أعين الرقباء، لتجد خطواتها تسبقها إليه وأناملها تعصر حقيبتها الصغيرة عصرا، وقد نسيتْ بأن زهرةَ الأوركيد التي تضعها بحقيبة يدها دائما لتُؤنِسَ وحشتها، قد اختنقت من آثار ضغطها على الحقيبة.
ابتدأت الموسيقى تسكن زوايا المكان، وابتدأ معها موسمُ تساقطِ العنب، وابتدأت النظرات تحاصر لبنى وكأنها تحرس هدوءها وصمتها ووجومها أيضا، بل تحرس حتى بواباتِ السرّ المغلقة..اقترب منها أحدهم وقال لها بصوت منخفض:" يالَشجاعتك، كيف قبِلتِ الدعوة بالرغم من كل شيء؟؟"
ابتلعت غصتها ولم تنبس ببنت شفة، بينما اقتربت منها مدعوة أخرى وطعنتها بشماتة، متظاهرةً بأنها تحدّث نفسها: "لم أكن أعلم أنّ الحفلَ يخبِّئُ لنا مفاجأة، يبدو أن السهرة ستكون مسلّية فعلا"..
عصرت لبنى حقيبة يدها مرة أخرى، فَدبّت بمآقيها وضلوعها حرقةٌ تسللتْ إلى كل مسامّها لتعشّش فيها، وراودتْها دمعةٌ مختنقة، أحبّت أن تكون نجمة الحفل الثالثة لتفتتح حفلَ الأوجاع، دمعةٌ أحبّتْ أن تظفر بتوقيع صاحبتها بدفتر الحزن الأول، لكن لبنى حبستها بضلوعها كي تحفظ ماتبقى من إنسانيتها المُراقة.
تقدّمت إليها ليلى أخت العريس والكلماتُ متلعثمة على لسانها، وملامحُها مُهراقَةٌ بأوراق الحيرة، وابتدرتها بالسؤال: " كيف حالك؟ هل أنتِ بخير؟؟" وجلست إلى جانبها تنتظر الإجابة، لكن لبنى لم تنطق صمتا وحسبُ، بل تدثّرت بالصمت وحفرتْه على لسانها:
" ياإلهي كيف تسألني عن حالي !.. بل كيف استطعتُ الحضور إلى هنا.. أنا هنا؟ !! قد صرتُ أضحوكة لهم جميعا ومثاراً للسخرية والشفقة، ماذا فعلتُ بنفسي؟؟ سأخرج الآن..لا لن أخرج حتى أبارك له …له و…لها…لن يهزمني جرحي أبدا، لقد انتهى كلُّ
المزيد
أغسطس 30th, 2006
كتبها أسمــاء حرمـة الله
نشر في , قصة,
,
إلى أمــــي..بعد الرحيل..
جلست تنظر بشغف إلى البحر المترامي بين أجفان الأفق، وهي مطرقة، تختزل الصمت الذي قفز من قعر الماء يناوشها، وكأنها كانت تنتظر شيئا ما، تنهدت وأمسكت بحجارة صغيرة وقذفتها في الماء وهي تحاول أن تستفز الهدوء المتداعي بين جفون البحر، وكأنها ودت أن تهب عمرها لما استفزها من المواويل أو كأنها ودت أن تنسى عمرها الذي تدفق بين الجراح والحيرة، كانت عيناها معلقتين بين السماء والأرض، تذرفان ما يمكن أن يتبقى من مهجة إنسان.
وفجأة استسلمت لأحزانها، ومقلتاها الغارقتان في صمت رهيب تعزفان أغنية الماء على خديها، تذكرت كيف علمت عينيها مواويل الانسكاب دون أن تجد منديلا مهدى على صخرة من صخور الشاطئ، تذكرت سوالف الصمت التي كممت فاها غداة كل شجار يقع بينها وبين زوجها، تذكرت كيف التحفت بأشطان الصبر مكرهة حفاظا على مستقبل هذه الطفلة التي لم تشب عن الطوق بعد، تذكرت كيف كان الموج يتلقاها بالترحاب وفي كفيه عزاء الورد، كيف كان الرمل يطوق جيدها بالياسمين يعدها بالغد الأفضل، كيف كانت الشمس تتوارى خلف الحزن المرابض ثمة بين جوارحها، كيف كان الصدف يقسم أن يهبها سره وفي قلبه عطر أرجواني، كانت تعي مسبقا أن ثمة وسيلة لإصلاح هذا الزوج الذي لم يتوان قط عن إلحاق الأذى بها وبطفلتهما الصغيرة، كانت تعي أيضا أن الصبر هو عزاؤها الوحيد الذي لن تجد عنه بديلا إن استحال الرتق، لكنها كانت تخشى أن ينفد صبرها في يوم من الأيام، إنها لا تستطيع أن تتحمل أكثر مما تحملته طيلة هذه السنين، زوج خائن سكير، مهمل لها ولطفلته، ومهمل لبيتهما الذي لم يعد يراه إلا نادرا، بسبب سهره خارجه كل يوم، حتى وإن تحملت كل ذلك فهي لا تستطيع أن تتحمل إهانته لها، بل كيف تتناسى ضربه المبرح لها بسبب ودون سبب، كيف
المزيد